محمد أبو زهرة
2167
زهرة التفاسير
بين الله سبحانه وتعالى مقدار الإثم في الاعتداء على أنفس الآحاد ، وذكر سبحانه وتعالى أن من قتل نفسا ، فقد اعتدى على حق الحياة عند كل الناس ، فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً . ومن أحياها بالقصاص لها ، فكأنما أحيا الناس جميعا ؛ لأنه يمكن للناس من حياة رافهة هادئة ، فيها أمن وفيها استقرار واطمئنان ، كما قال سبحانه في آية أخرى ، وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ . . . ( 179 ) [ البقرة ] ثم ذكر سبحانه وتعالى ، الجريمة الكبرى في الاعتداء على الجماعة وخرق حرمات النظام ، والانتقاض على الحكام الذين يقيمون الحق والعدل والشرع ، وارتكاب القتل والسرقة والاعتداء على الأموال والأنفس والأعراض ، وانتهاك الحرمات من غير أي حريجة دينية ، وبين أنهم ينالون أقسى العقاب ، لأنهم يرتكبون أفحش الجرائم وأفجرها . وقد ذكر سبحانه وتعالى أن العقوبات لا تكفى وحدها لإيجاد مجتمع فاضل ، بل لا بد من تهذيب الأرواح بالتقوى وطلب الوسائل الفاضلة ، والغايات العالية ، وأن يعرفوا أن عقاب الدنيا يهون بجوار عقاب الآخرة ، وقد بين بعد ذلك العقوبة المقررة للاعتداء على الأموال ، بعد أن ذكر عقوبة الاعتداء على الأنفس منفردة ، ثم اجتماع الجرائم بالاعتداء على الأنفس والمال ، والخروج على النظام . وقد توسطت بين هذين النوعين من العقوبة آية الأمر بالتقوى وتذكر الآخرة وما فيها ، لأن في ذلك بيانا بأن الصلاح الأول للمجتمع هو اجتثاث الجريمة من